والثاني: يذكر على الامتنان عليه؛ يقول: إن الذي أنزل عليك القرآن وألقاه عليك بعد ما لم تكن ترجو إلقاءه عليك وإنزاله، ولكن برحمته ومنته ألقاه إليك وأنزله عليك حيث قال: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) ؛ فعلى ذلك يردك إلى مكة بعدما لم تكن ترجو ردك وعودك إليها.
وإِن كان المعاد: هو البعث؛ فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: على البشارة؛ كأنه يقول: إن الذي فرض عليك القرآن يردك ويبعثك بمن كذبك وبمن صدقك، فينتقم من مكذبيك جزاء التكذيب، ويجزي من يصدقك جزاء التصديق.
والثاني: يذكره ويخاطبه، وإنما يريد به قومه، أي: سيبعثون وسيعودون إليها، فيكون كالآيات التي يخاطب بها رسوله والمراد بها: قومه؛ فهو يخرج على الوعيد لهم، ألا ترى أنه قال: (رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) . أي: ربي أعلم بمن جاء بالهدى فيجزيه جزاء الهدى، ومن هو في ضلال مبين فيجزيه جزاء ضلاله.
ويخرج ذكر هذا عند دعاء أُولَئِكَ الكفرة: أنهم على الحق والهدى، وأن آباءهم كانوا على الحق والهدى، وأنتم على ضلال، فيقول: (رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) نحن أوأنتم؟! فهو على التحاكم إلى اللَّه أن يحكم بينهم، فيجزي كلا بما جاء به، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ(86)
فهو يخرج على وجهين: أحدهما: وما كنت ترجو - وإن كنت مطيعًا أي: خاضعًا - أن يلقى إليك الكتاب وينزل عليك وتصير رسولا، أي: لم تكن تطمع ذلك، ولكن اللَّه بفضله ورحمته جعلك رسولا نبيًّا.