وقوله: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) : قالوا جميعًا: السيئة: هي الشرك، (فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) ، هو التخليد في النار أبدًا، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) : فيما يجزون بها بل ظلموا أنفسهم.
وقوله: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) : اختلف في قوله: (فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَرَضَ) . أي: نزل عليك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فرض عليك العمل بالقرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فرض تبليغ ما أنزل عليك من القرآن والرسالة إلى الناس.
واختلف أيضًا في قوله: (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: إلى مكة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعاد: هو البعث والساعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعاد: الجنة، ويقال: الموت؛ وكله البعث، والمعاد هو البعث في الظاهر.
وجائِز أن تسمى مكة: معادا؛ لما يعود الناس إليها مرة بعد مرة، كما تسمى: مثابة؛ لما يثوب الناس إليها مرة بعد مرة.
لكن من يقول بأن المعاد هو مكة يقول: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما أمر بالهجرة إلى المدينة فهاجر إليها اشتاق إلى بلده ومولده ومولد آبائه، فنزل جبريل عليه بهذه الآية بشارة في العود إليها ظاهرًا عليهم، قاهرًا، فاتحًا له مكة؛ هذا تأويل من يقول بأن المعاد هو مكة.
وجائز أن يكون على غير هذا، وهو يخرج على وجهين:
أحدهما: كأنه حزن على الفراق منهم إشفاقًا على هلاكهم لإخراجهم الرسول من بين أظهرهم؛ لأن الأمم السالفة إذا خرج من بينهم الرسل نزل بهم العذاب؛ فخاف أنهم لما أخرجوا من بين أظهرهم وأبوا إجابته أن يهلكوا أو يعذبوا؛ كقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ، وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) ، فبشر بهذا أن ترد إليها وستعود إليهم، فيتبعونك ويؤمنون بك، وهم لا يهلكون إهلاك استئصال وتعذيب كسائر الأمم.