وأتلف مالا شغله عن الله في الله فعوضه الله منه: أن حمله على متن الريح فملكه الله تعالى عاقبة هذه الهفوة وجعلها سببا لنيل تلك المنزلة الرفيعة واستشهد بقصة موسى حين ألقى الألواح وفيها كلام الله عن رأسه وكسرها وجر بلحية أخيه وهو نبي مثله ولم يعاتبه الله على ذلك كما عتب على آدم عليه السلام في أكل لقمة من الشجرة وعلى نوح في ابنه حين سأل ربه أن ينجيه وعلى داود في شأن امرأة أوريا وعلى يونس في شأن المغاضبة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: وكذلك لطم موسى عين ملك الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي صلى الله عليه وسلم إذ رفعه فوقه ورفع صوته بذلك ولم يعتبه الله على ذلك قال: لأن موسى عليه السلام قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى وتصدى له ولقومه وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره وذو النون لما لم يكن في هذا المقام: سجنه في بطن الحوت من غضبة وقد جعل الله لكل شيء قدرا
فصل قال: الدرجة الثالثة: اجتباء الحق عبده واستخلاصه إياه بخالصته
كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارا فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسما معارا قلت: الاجتباء الاصطفاء والإيثار والتخصيص وهو افتعال من جبيت الشيء: إذا حزته وأحرزته إليك كجباية المال وغيره والاصطناع أيضا الاصطفاء والاختيار يعني أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه وجعله خالصا له من غير سبب كان من موسى ولا وسيلة فإنه خرج ليقتبس النار فرجع وهو كليم الواحد القهار وأكرم الخلق عليه ابتداء منه سبحانه من غير سابقة استحقاق ولا تقدم وسيلة وفي مثل هذا قيل:
أيها العبد كن لما لست ترجو ... من صلاح أرجى لما أنت راجي
إن موسى أتى ليقبس نارا ... من ضياء رآه والليل داجي