فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ أي ما أغنى عنه ماله ولا حاشيته، ولا دفعوا عنه نقمة الله ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصرا لها، فأصبح لا ناصر له من نفسه ولا من غيره.
ولا داعي لبيان أسباب الخسف المروية في التفاسير، فإنها كما ذكر الرازي في أكثر الأمر متعارضة مضطربة، والأولى طرحها، والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن، وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب.
وحينئذ ظهرت العبرة للمعتبر، وتبين المفتونون بمال قارون حقيقة الأمر:
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي صار الذين رأوه في زينته وتمنوا في الماضي القريب أن يكونوا مثله يقولون: ألم تر أن الله يمدّ الرزق لمن يشاء من خلقه ويضيقه على من يشاء، وليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسّع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة، كما
جاء في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب» .
أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ أي لولا لطف الله بنا، وإحسانه إلينا، لخسف بنا الأرض، كما خسف بقارون لأنا وددنا أن نكون مثله، وألم تر أن الله لا يحقق الفوز والنجاح للكافرين به، المكذبين رسله، المنكرين ثواب الله وعقابه في الآخرة، مثل قارون.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
1 -لقد استبد البغي والغرور والبطر والكبر بقارون، فتعالى على قومه بني إسرائيل، وأراد إظهار أبهته وعظمته أمامهم، فخرج عليهم في يوم عيد في موكب مهيب مزدان بمتاع الحياة الدنيا من الثياب والتجمل والدواب.
2 -انقسم الناس في شأن قارون بعد هذا الاستعراض فريقين: فريق ينبهر بسطحيات الأمور، فأعجب بهذا المظهر، وتمنى أن يكون مثل قارون في الثروة والمال والعزة والجاه، وهؤلاء هم الماديون في كل زمان.