قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ، إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أي فلما خرج في مظاهر الأبهة كان طبيعيا أن يفتتن بعض الناس به، وهم السذّج والجهال الذين يريدون الحياة الدنيا، ويميلون إلى زخارفها وزينتها، فتمنوا أن لو كان لهم مثل ما أعطي، وقالوا: يا ليت لنا من الأموال والثروات والأوضاع ما لقارون، لنتمتع بها مثله، فإنه ذو نصيب وافر من الدنيا. وهذه نزعة جبلّيّة في الإنسان، فهو دائما يطمع في السعة واليسار:
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات 100/ 8] .
وفي مقابلة هذا الفريق يوجد فريق آخر هم أهل الحكمة والعلم وبعد النظر:
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ أي وقال علماء الدين وأهل العلم النافع: ويلكم أي انزجروا وارتدعوا عن هذه التمنيات والأقوال، فإن جزاء الله ومثوبته لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون وما تتمنون، ولكن لا يتلقى الجنة أو المثوبة ولا يوفق لها إلا الصابرون على الطاعات وعن المعاصي، الراغبون في الدار الآخرة، الراضون بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار، المترفعون عن محبة الدنيا، وذلك كما
جاء في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،
واقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة 32/ 17] .
ثم ذكر تعالى عقاب قارون فقال:
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ أي بعد أن اختال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم، زلزلنا به وبداره الأرض، فابتلعته وغاب فيها جزاء بطره وعتوه، كما
ثبت في صحيح البخاري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجرّ إزاره، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» .