وظلم ذوي القربى أشد غضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ أي وأعطيناه من الأموال النقدية والعينية المدخرة التي يثقل بحمل مفاتيح خزائنها العصبة (الجماعة الكثيرة) القوية من الناس. قال ابن عباس: إن مفاتيح خزائنه كان يحملها أربعون رجلا من الأقوياء.
فنصحه الوعاظ بمواعظ خمس قائلين:
1 -إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ: لا تَفْرَحْ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ أي قال له جماعة من بني إسرائيل من النصحاء، حينما أظهر التفاخر والتعالي: لا تبطر ولا تفرح بما أنت فيه من المال، فإن الله لا يحب الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ولا يستعدون للآخرة، أي يبغضهم ويعاقبهم، كقوله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [الحديد 57/ 23] .
2 -وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ أي استعمل ما وهبك الله من هذا
المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة.
3 -وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي لا تترك حظك من لذات الدنيا التي أباحها الله من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والزواج، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك (زوارك) عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. وهذه هي وسطية الإسلام في الحياة، قال ابن عمر: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا» .
4 -وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي وأحسن إلى خلقه كما أحسن الرب إليك، وهذا أمر بالإحسان مطلقا بعد الأمر بالإحسان بالمال، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه، وطلاقة الوجه، وحسن اللقاء، وحسن السمعة، أي أنه جمع بين الإحسان المادي، والإحسان الأدبي أو الخلقي.