قال بعضهم: من تكبر فقد أخبر عن نذالة نفسه، ومن تواضع فقد أظهر كرم طبعه.
وقال الترمذي: التواضع على ضربين: الأول أن يتواضع العبد لأمر الله ونهيه، فإن النفس لطلب الراحة تتلهى عن أمره، والشهوة التي فيها تهوى في نهيه، فإذا وضع نفسه لأمره ونهيه فهو تواضع. والثاني: أن يضع نفسه لعظمة الله فإن اشتهت نفسه شيئاً مما أطلق له من كل نوع من الأنواع منعها ذلك.
وجملة ذلك: أن يترك مشيئته لمشيئة الله تعالى.
واعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه؛ فعند ذلك تذوب النفس، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب، فتلين وتطيع للحق والخلق لمحو آثارها وسكون وهجها وغبارها، وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا عليه السلام في أوطان القرب، كما روي عن عائشة رضي الله عنها في الحديث الطويل قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات ليلة فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة ظنّاً مني أنه عند بعض أزواجه، فطلبته في حجر نسائه فلم أجده، فوجدته في المسجد ساجداً كالثوب الخلق وهو يقول في سجوده
«سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي، وَآمَنَ بِكَ فُؤَادِي وَأَقَرَّ بِكَ لِسَانِي، وَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ، يَا عَظِيمُ يَا غَافِرَ الذَّنْبِ العَظِيمِ»
وقوله عليه السلام «سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي» استقصاء في التواضع بمحو آثار الوجود حيث لم تتخلف ذرة منه عن السجود ظاهراً وباطناً، ومتى لم يكن للصوفي حظ من التواضع الخاص على بساط القرب لا يتوفر حظه في التواضع للخلق، وهذه سعادات إن أقبلت جاءت بكليتها. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...