ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها ، فقال: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} القرار: المستقرّ أي دحاها ، وسوّاها بحيث يمكن الإستقرار عليها.
وقيل: هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله: {أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض} ، ولا ملجئ لذلك ، بل هي وما بعدها إضراب وانتقال من التوبيخ والتقريع بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشيء آخر {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً} الخلال: الوسط.
وقد تقدّم تحقيقه في قوله: {وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً} [الكهف: 33] {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت تمسكها ، وتمنعها من الحركة {وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً} الحاجز: المانع ، أي جعل بين البحرين من قدرته حاجزاً.
والبحران هما: العذب والمالح ، فلا يختلط أحدهما بالآخر فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يدخل في هذا ، وقد مرّ بيانه في سورة الفرقان {أإله مَعَ الله} أي إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلاّ الله فهل إله في الوجود يصنع صنعه ، ويخلق خلقه؟ فكيف يشركون به ما لا يضرّ ولا ينفع {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} توحيد ربهم ، وسلطان قدرته.
{أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} هذا استدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم ، والمضطر اسم مفعول من الاضطرار وهو المكروب المجهود الذي لا حول له ولا قوة.
وقيل: هو المذنب ، وقيل: هو الذي عراه ضرّ من فقر أو مرض ، فألجأه إلى التضرّع إلى الله.