وجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي ادّارك أسباب علمهم ، والتدارك مجاز عما ذكر من التساقط ، وقوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا} إضراب وانتقال عن عدم علمهم بها إلى ما هو أفحش منه على نحو ما مر وهو حيرتهم في ذلك أي بل هم في شك عظيم من نفس الآخرة وتحققها كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلاً فضلاً عن الأمور التي ستقع فيها ، وقوله سبحانه: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ} إضراب وانتقال عن وصفهم بكونهم شاكين إلى وصفهم بما هو أفظع منه وهو كونهم عمياً قد اختلت بصائرهم بالكلية بحيث لا يكادون يدركون طريق العلم بها وهو الدلائل الدالة على أنها كائنة لا محالة ، فالمراد {عَمُونَ} عن دلائلها أو عمون عن كل ما يوصلهم إلى الحق ويدخل فيه دلائلها دخولاً أولياً ، و {مِنْهَا} متعلق بعمون قدم عليه رعاية للفواصل ، ولعل تعديته بمن دون عن لجعل الآخرة بمدأ عما هم ومنشأه ، والكفر بالعاقبة والجزاء يدع الشخص عاكفاً على تحصيل مصالح بطنه وفرجه لا يتدبر ولا يتبصر فيما عدا ذلك.
وجوز أن يكون {ادرك} بمعنى استحكم وتكامل ووصفهم باستحاكم علمهم بذلك وتكامله من باب التهكم بهم كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك على سبيل الهزء ، ومآل التهكم المذكور نفي علمهم بذلك كما في الوجه السابق لكن على الوجه الأبلغ ، والإضرابان من باب الترقي من الوصف بالفظيع إلى الوصف بالأفظع نحو ما تقدم وهو وجه حسن ، ويشعر كلام بعض المحققين بترجيحه على ما ذكرنا أولاً.
وجوز أيضاً أن يكون المراد بالادّراك الاستحكام لكن على معنى استحكم أسباب علمهم بأن القيامة كائنة لا محالة من الآيات القاطعة والحجج الساطعة وتمكنوا من المعرفة فضل تمكن وهم جاهلون في ذلك ، وفيه أن دلالة النظم الكريم على إرادة وهم جاهلون ليست بواضحة.