ولما ذكر إجابة دعاء المضطر ، وكشف السوء ، واستخلافهم في الأرض ، ناسب أن يستحضر الإنسان دائماً هذه المنة ، فختم بقوله: {قليلاً ما تذكرون} ، إشارة إلى توالي النسيان إذا صار في خير وزال اضطراره وكشف السوء عنه ، كما قال:
{نسي ما كان يدعوا إليه من قبل} ولما ذكر الهداية في الظلمات ، وإرسال الرياح نشراً ، ومعبوداتهم لا تهدي ولا ترسل ، وهم يشركون بها الله ، قال تعالى: {عما يشركون} .
واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله: {أإله مع الله} ، على سبيل التوكيد والتقرير أنه لا إله إلا هو تعالى.
قيل: سأل الكفار عن وقت القيامة التي وعدهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وألحوا عليه ، فنزل: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض} ، الآية.
والمتبادر إلى الذهن أن من فاعل بيعلم ، والغيب مفعول ، وإلا الله استثناء منقطع لعدم اندراجه في مدلول لفظ من ، وجاء مرفوعاً على لغة تميم ، ودلت الآية على أنه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب.
وعن عائشة ، رضي الله عنها: من زعم أن محمداً يعلم ما في غد ، فقد أعظم الفرية على الله ، والله تعالى يقول: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض إلا الله} ، ولا يقال: إنه مندرج في مدلول من ، فيكون في السماوات إشارة إلى ظرفاً حقيقياً للمخلوقين فيهما ، ومجازياً بالنسبة إليه تعالى ، أي هو فيها بعلمه ، لأن في ذلك جمعاً بين الحقيقة والمجاز ، وأكثر العلماء ينكر ذلك ، وإنكاره هو الصحيح.
ومن أجاز ذلك فيصح عنده أن يكون استثناء متصلاً ، وارتفع على البدل أو الصفة ، والرفع أفصح من النصب على الاستثناء ، لأنه استثناء من نفي متقدم ، والظاهر عموم الغيب.
وقيل: المراد غيب الساعة.