ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ ؛ ثم قال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها ؛ قال: لا.
قال: فإني لا أصيب.
قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حدّ الغيب ، وهذا لم تحصه فهو غيب و {لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله} وقد مضى هذا في"آل عمران"والحمد لله.
قوله تعالى: {بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي.
وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد: {بَلْ أَدْرَكَ} من الإدراك.
وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش: {بَلِ ادَّرَكَ} غير مهموز مشدّداً.
وقرأ ابن محيصن: {بَلْ أَادَّرَكَ} على الاستفهام.
وقرأ ابن عباس: {بَلَى} بإثبات الياء {أَدَّارَكَ} بهمزة قطع والدال مشدّدة وألف بعدها ؛ قال النحاس: وإسناده إسناد صحيح ، هو من حديث شُعبة يرفعه إلى ابن عباس.
وزعم هارون القارئ أن قراءة أبيّ {بَلْ تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ} .
وحكى الثعلبي أنها في حرف أبيّ"أم تدارك".
والعرب تضع بَلْ موضع (أم) و (أم) موضع بل إذا كان في أول الكلام استفهان ؛ كقول الشاعر:
فوالله لا أدري أسلمى تقولت ...
أم القول أم كل إلى حبيب
القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد ؛ لأن أصل"ادارك"تدارك ؛ أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل ؛ وفي معناه قولان: أحدهما أن المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة ؛ لأنهم رأوا كل ما وُعِدوا به معاينة فتكامل علمهم به.
والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة ؛ فقالوا تكون وقالوا لا تكون.
القراءة الثانية فيها قولان: أحدهما: أن معناه كمل في الآخرة ؛ وهو مثل الأوّل ؛ قال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم ؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذِّبين.