والقول الآخر: أنه على معنى الإنكار ؛ وهو مذهب أبي إسحاق ؛ واستدلّ على صحة هذا القول بأن بعده {بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} أي لم يدرك علمهم علم الآخرة.
وقيل: بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم.
والقراءة الثالثة: {بَلِ ادَّرَكَ} فهي بمعنى {بَلِ ادَّارَكَ} وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى ؛ ولذلك صُحِّح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا.
القراءة الرابعة: ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار ؛ كما تقول: أأنا قاتلتك؟ا فيكون المعنى لم يدرك ؛ وعليه ترجع قراءة ابن عباس ؛ قال ابن عباس: {بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} أي لم يدرك.
قال الفرّاء: وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث ، كقولك لرجل تكذبه: بَلَى لعمري قد أدركت السَّلَفَ فأنت تَروي ما لا أروي! وأنت تكذبه.
وقراءة سابعة: {بَلَ ادَّرَكَ} بفتح اللام ؛ عدل إلى الفتحة لخفتها.
وقد حكي نحو ذلك عن قطرب في {قُمَ اللَّيْلَ} فإنه عدل إلى الفتح.
وكذلك و (بعَ الثوبَ) ونحوه.
وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرئ {بَلْ أَأَدَّرَكَ} بهمزتين {بَلْ آأَدَّرَكَ} بألف بينهما {بَلَى أَأَدَّرَكَ} {أَمْ تَدَارَكَ} {أَمْ أَدَّرَكَ} فهذه ثنتا عشرة قراءة ، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال: فإن قلت فما وجه قراءة {بَلْ أَأَدَّرَكَ} على الاستفهام؟ قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم ، وكذلك من قرأ:"أَمْ أَدَّرَكَ"و"أَمْ تَدَارَكَ"لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة ، وأما من قرأ: {بَلَى أَأَدَّرَكَ} على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون ، ثم أنكر علمهم بكونها ، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها ؛ لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن.
{فِي الآخِرَةِ} في شأن الآخرة ومعناها.
{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} أي في الدنيا.