وقوله - تعالى -: قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ... بيان لما وجهه صالح إلى الكافرين من قومه، من نصائح حكيمة ..
أي: قال صالح - عليه السلام - للمكذبين لرسالته من قومه بأسلوب رقيق حكيم:
يا قوم لماذا كلما دعوتكم إلى الحق أعرضتم عن دعوتي، وآثرتم الكفر على الإيمان، واستعجلتم عقوبة الله - تعالى - التي حذرتكم منها، قبل أن تتضرعوا إليه - سبحانه - بطلب الهداية والرحمة.
وقوله: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ حض منه على الإقلاع عما هم فيه من عناد وضلال.
أي: هلا استغفرتم الله - تعالى - وأخلصتم له العبادة، واتبعتمونى فيما أدعوكم إليه، لكي يرحمكم ربكم ويعفو عنكم.
فالمراد بالسيئة: العذاب الذي تعجلوه، والذي أشار إليه - سبحانه - في قوله:
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
ثم حكى - سبحانه - ما رد به هؤلاء المتكبرون على نبيهم فقال - تعالى - قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ...
وقوله: اطَّيَّرْنا أصله تطيرنا، فأدغمت التاء في الطاء، وزيدت همزة الوصل، ليتأتى الابتداء بالكلمة. والتطير: التشاؤم.
قال الآلوسي: وعبر عنه بذلك، لأنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون بطائر يزجرونه فإن مر سانحا - بأن مر من ميامن الشخص إلى مياسره - تيمنوا، وإن مر بارحا - بأن مر
من المياسر إلى الميامن - تشاءموا. فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببا لهما من قدر الله - تعالى - وقسمته - عز وجل - أو من عمل العبد الذي هو سبب الرحمة والنعمة.
أي قال المكذبون من قوم صالح في الرد عليه: أصابنا الشؤم والنحس بسبب وجودك فينا، وبسبب المؤمنين الذين استجابوا لدعوتك. حيث أصبنا بالقحط بعد الرخاء والضراء بعد السراء.
ولا شك أن قولهم هذا يدل على جهلهم المطبق، وعلى سوء تفكيرهم، لأن السراء والضراء من عند الله - تعالى - وحده. ولا صلة لهما بوجود صالح والذين آمنوا معه بينهم ولذا رد عليهم صالح - عليه السلام - بقوله طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ...