لما قدم عليه عمر وجده في أبهة من الجند والعدة، فاستنكر ذلك، وقال له: أكسروية يا معاوية؟! فاعتذر معاوية بأنهم في ثغر تجاه العدو، وأنهم في حاجة إلى مباهاة العدو بزينة الحرب والجهاد، فسكت عمر وأقره.
فذلك المظهر من مظاهر طبيعة الملك من حيث هو ملك، وإنما أنكره عمر لما خاف فيه من تعظم واستعلاء وإعجاب؛ فلما كان للحق والمصلحة أقره.
ومن أقوى الأدلة على أن تلك المظاهر إذا كانت للحق والمصلحة فهي محمودة مطلوبة، ما قصه الله علينا في هذه الآيات عن ملك سليمان نبي الله عليه الصلاة والسلام.
نعم في مسند أحمد أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - خير بين أن يكون نبياً ملكاً أو
يكون نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً. وكان ذلك تواضعاً منه.
ولا ينفي هذا أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كما كان مبلغاً عن الله تبارك وتعالى، كان قائماً على الحكم والتنفيذ وإدارة الشؤون العامة، وتنظيم المجتمع، مما يسمى ملكاً نبوياً مستنداً إلى الوحي الإلهى؛ لأن التحيز راجع إلى حالته الشخصية الكريمة، فخير بين أن يكون لشخصه من مظاهر الملك مثل ما كان سليمان، أو لا تكون له تلك المظاهر، فاختار ألاّ تكون، وأن يكون مظهره مظهراً عادياً مثل مظهر العبد العادي.
كما أن سليمان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي كان ملكاً نبياً لم ينف عنه العبودية، وإنما ينفي عنه مظهرها العادي.
فهما حالتان للقائمين على الملك جائزتان، كان على إحداهما سليمان، وعلى الأخرى محمد عليهما الصلاة والسلام.
وحالة أفضل النبيين أفضل الحالتين. وقد اختار عمر رضي الله عنه الفضلى، وأقر معاوية على الفاضلة الأخرى.
ولما كان محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء بملك النبوة، كان القرآن العظيم جامعاً للأصول التي ينبنى عليها ذلك الملك، وجاء فيه مثل هذه الآيات التي نكتب عليها، ليبين صورة ملك النبوة، ومظهراً صادقاً من مظاهره فيما قصت علينا من ملك سليمان عليه السلام. وهي ثلاثون آية، من الآية الخامسة عشرة من سورة النمل، إلى الآية الرابعة والأربعين منها:
الفصل الأول الآية الأولى: