{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) } [النمل: 15] .
{علمًا} نوعاً عظيماً ممتازاً من العلم جمعا به بين الملك والنبوة، وقاما بأمر الحكم والهداية.
{وقالا} قولهما متسبب وناشئ عن العلم، لكنه لو قيل:"فقالا"بالفاء، لما أفاد أن غير
القول تسبب منهما عن العلم. ولما عطف بالواو دل على أن هنالك أعمالًا كثيرة عظيمة كانت منهما في طاعة الله وشكره، نشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا.
{فضلنا} أعطانا ما فقنا به غيرنا.
{على كثير} فهنالك كثير لم يفضلا عليه ممن ساواهما أو فاقهما.
{من عباده المؤمنين} ففضلا بين أهل الفضل، فكانا من أفضل الفاضلين، وذلك بما أعطيا من النبوة وملكها.
المعنى:
يخبرنا الله - تعالى - عما أعطى لهذين النبيين الكريمين من هذا الخير العظيم، وعما كان منهما من الشكر له، والمعرفة بعظيم قدر عطائه، وإظهار السرور به، مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه، ومن إعلانها ما كان لله عليهما من نعمة التفضيل العظيمة بحمده والثناء عليه.
تنويه وتأصيل:
قد ابتدأ الحديث عن الملك العظيم بذكر (العلم) ، وقدمت النعمة به على سائر النعم، تنويهًا بشأن العلم، وتنبيهاً على أنه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدنيا والأخرى، وأنه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا، وأن الممالك إنما تنبني عليه وتشاد، وأن الملك إنما ينظم به ويساس، وأن كل ما لم يبن عليه فهو على شفا جرف هار، وأنه هو سياج المملكة ودرعها، وهو سلاحها الحقيقي، وبه دفاعها، وأن كل مملكة لم تحم به فهي عرضة للانقراض والانقضاض.
إحماض (1) :
قال أبو الطيب المتنبي:
أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيهِنَّ كَالْقُبَلِ
نعم إن محبي الممالك الصادقين في محبتها، والذين تصلح لهم ويصلحون لها، هم الذين يستعذبون في سبيلها الموت، ويكون الطعن عندهم مثل القبل على ثغور الحسان.
فأما الممالك التي تبنى على السيف فبالسيف تهدم، وما يشاد على القوة فبالقوة يؤخذ.