نِعَمِهِ"وَقَوْلِنَا"الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ"يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَ الشُّكْرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَنْ يُحْمَدَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّرَّاءَ تُوجِبُ الشُّكْرَ ، وَالضَّرَّاءَ تُوجِبُ الصَّبْرَ الْمُوجِبَ لِلثَّوَابِ الْمُوجِبِ لِلشُّكْرِ ، فَهِيَ نِعْمَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ ."
فَالْأَحْوَالُ كُلُّهَا نِعَمٌ ، فَيَصِيرُ مِثْلَ قَوْلِهِ"الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ"فَيَكُونُ مَجَازًا فِي الشُّكْرِ وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ ضَرَّاءُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ الثَّنَاءَ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنْقَصُ مِنْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَمْكَنُ فِي الْمَعْنَى .
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) قَوْلُهُ (عِلْمًا) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِتَنْكِيرِهِ تَعْظِيمَهُ أَيْ عِلْمًا أَيَّ عِلْمٍ ، وَيَكُونُ تَفْضِيلُهُمَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتَعْمَلَ الْعِلْمَ لِلْأَعَمِّ فِيمَا هُوَ أَخُصُّ مِنْهُ ، فَيَعُودُ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ وَحُذِفَتْ صِفَتُهُ أَيْ عِلْمًا عَظِيمًا ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعِهِ حَقِيقَةً ، وَلَكِنْ مَعَهُ حَذْفٌ وَفِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ هَذَا الْوَجْهِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْإِضْمَارِ ؛ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعْنَى التَّفْضِيلِ لَا يَخْتَلِفُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ الْعِلْمِ فَلَا مَجَازَ وَلَا إضْمَارَ بَيْنَهُمَا ، عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ مُسْتَوْجِبٌ لَأَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُوصَفَ بِهِ خَوَاصُّ الْعِبَادِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ؛ فَيَكُونُ بِالْعِلْمِ الْخَاصِّ الْعَظِيمِ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ .
وَهَذَا الْوَجْهُ أَبْلُغُ فِي بَيَانِ شَرَفِ الْعِلْمِ