والثامنة: كذلك غير أن بين الهمزتين فاصلًا ومكان (بل) (بلى) ، على أنه جواب، وذلك أنه لما قال جل ذكره: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} فكأن قائلًا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: (بلى) ، ثم استؤنف فقيل: آأدرك علمهم في الآخرة؟ قاله أبو الفتح أيضًا - رحمه الله -. فهذه ثماني قراءات فاعرفهن.
و {مِنْهَا} صلة {عَمُونَ} , وهو جمع (عَمٍ) ، يقال: رجل عَمٍ، إذا كان ذاهِب البصيرة، وهو من عمى القلب.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) } :
قوله عز وجل: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا} (وآباؤنا) عطف على المضمر في {كُنَّا} ، وجاز ذلك من غير تأكيد للفصل بينه وبين المعطوف. وقد جوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، أي: وآباؤنا كذلك، وهو من التعسف.
{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) } :
قوله عز وجل: {مِمَّا يَمْكُرُونَ} (ما) مصدرية، أي: من مكرهم، ولك أن تجعلها موصولة.
وقوله: {عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} (أن يكون) في موضوع رفع بـ {عَسَى} ، وفى (كان) إضمار الشأن والحديث، و {بَعْضُ} مرفوع ب {رَدِفَ} ، وفي اللام في {لَكُمْ} وجهان:
أحدهما: صلة كالباء في {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} . وفي {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} .
والثاني للتعدية، على تضمين {رَدِفَ} معنى دنا، وأزف. والجمهور على كسر دال {رَدِفَ} بوزن تَبِعَ، وقرئ: بفتحها بوزن ذَهَبَ، وهما لغتان بمعنى. قال أبو الفتح: والكسر أفصح، وهو أكثر اللغة.