وَأَمَّا الْفِقْرَةُ الْأَخِيرَةُ فَلَيْسَتْ مِمَّا يَقُولُهُ عَرَبِيٌّ قُحٌّ لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ، إِذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَرَبِ أَقْوَالٌ لِلسَّحَرَةِ تُعْتَمَدُ أَوْ لَا تُعْتَمَدُ إِنْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ هَذَا ، وَإِنَّمَا السَّحَرَةُ أُنَاسٌ مُفْسِدُونَ مُحْتَالُونَ فَعَّالُونَ لَا قَوَّالُونَ .
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي غَيَّرَهَا مِنَ السُّورَةِ صَحِيحَةٌ وَمُنَاسِبَةٌ لِلْمَقَامِ وَمُقْتَضَى الْحَالِ لَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ بِهَا مُعَارِضًا لَهَا بَلْ مُقَلِّدًا وَنَاقِلًا فَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الِاقْتِبَاسِ مَعَ التَّصَرُّفِ ،
كَمَنْ يُغَيِّرُ قَافِيَةَ أَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ بِمَعْنَاهَا أَوْ بِمَعْنَى آخَرَ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
مَا لِمَنْ تَمَّتْ مَحَاسِنُهُ ... أَنْ يُعَادِي طَرْفَ مَنْ رَمَقَا
لَكَ أَنْ تُبْدِي لَنَا حُسْنًا ... وَلَنَا أَنْ نُعْمِلَ الْحِدَقَا
قَدَحَتْ عَيْنَاكَ زَنْدَ هَوَى ... فِي سَوَادِ الْقَلْبِ فَاحْتَرَقَا
غَيَّرْتُ قَوَافِيَهَا لَفْظًا لَا مَعْنًى بِالْبَدَاهَةِ فَقُلْتُ:
مَا لِمَنْ تَمَّتْ مَحَاسِنُهُ ... أَنْ يُعَادَى طَرْفَ مَنْ مَقَلَا
لَكَ أَنْ تُبْدِي لَنَا حُسْنًا ... وَلَنَا أَنْ نُعْمِلَ الْمُقَلَا
قَدَحَتْ عَيْنَاكَ زَنْدَ هَوَى ... فِي سَوَادِ الْقَلْبِ فَاشْتَعَلَا
"مَقَلَ"نَظَرَ بِمُقْلَتِهِ ، ثُمَّ غَيَّرْتُهَا أَيْضًا بِكَلِمَاتِ: نَظَرَا ، أَوْ بَصَرَا - النَّظَرَا - فَاسْتَعَرَا - فَهَلْ أَكُونُ بِهَذَا مُعَارِضًا لِلْأَصْلِ ، وَفِي طَبَقَةِ صَاحِبِهِ مَنْ غَزَلِ الشِّعْرِ ؟
إِعْجَازُ سُورَةِ الْكَوْثَرِ: