يا هذا! لا تظنن قياس أمثالها على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة (1) .. إذ الحس الظاهري لما لم يتعلق بجهة منها بقيت فِي درجة الامكان فيمكن الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها الصريح التصريح بها. لكن ما نحن فيه لما خرج من درجة الامكان والاحتمال فِي نظرهم - بحكم غلط الحس - إلى درجة البداهة عندهم فحقه فِي نظر البلاغة الابهام والإطلاق احتراما لحسياتهم وحفظاً لاذهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك أشار القرآن الكريم ورمز ولوّح إلى الحقيقة ، وفتح الباب للأفكار ودعاها للدخول بنصب امارات وقرائن. فيا هذا ! أن كنت من المنصفين إذا تأملت فِي دستور"كلِّم الناس على قدر عقولهم"ورأيت أن أفكار الجمهور لعدم اعداد الزمان والمحيط لا تتحمل ولاتهضم التكليف بمثل هذه الأمور - التي انما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار - لعرفت أن ما اختاره القرآن الكريم من الابهام والإطلاق من محض البلاغة ومن دلائل اعجازه.
اما الجواب عن الريب الثالث ، وهو امالة بعض ظواهر الآيات إلى منافي الدلائل العقلية وما كشفه الفن:
(1) أي لا تظنن أن أمور الآخرة وأحوالها التي هي مجهولة لنا كتلك النظريات التي يكشف عنها المستقبل (ت: 133)