أما الجواب عن الريب الثاني ، وهو ابهام القرآن فِي بحث تشكل الخلقة على ما شرحته الفنون الجديدة:
فاعلم! أن فِي شجرة العالم ميلَ الاستكمال ، وتشعَّبَ منه فِي الإنسان ميلُ الترقي ، وميل الترقي كالنواة يحصل نشوّه ونماءه بواسطة التجارب الكثيرة ، ويتشكل ويتوسع بواسطة تلاحق نتائج الأفكار ؛ فيثمر فنوناً مترتبة بحيث لا ينعقد المتأخر إلا بعد تشكل المتقدم ، ولا يكون المتقدم مقدمة للمؤخر الا بعد صيرورته كالعلوم المتعارفة. فبناء على هذا السر لو أراد أحد تعليم فنٍ أو تفهيم علمٍ - وهو انما تولد بتجارب كثيرة - ودعا الناس إليه قبل هذا بعشرة أعصر لا يفيد إلا تشويش اذهان الجمهور ، ووقوع الناس فِي السفسطة والمغلطة.
مثلا: لو قال القرآن الكريم"أيها الناس انظروا إلى سكون الشمس 1 وحركة الأرض واجتماع مليون حيوان فِي قطرة ، لتتصوروا عظمة الصانع"لأَوْقع الجمهورَ إما فِي التكذيب وأما فِي المغالطة مع أنفسهم والمكابرة معها بسبب أن حسهم الظاهريّ - أو غلط الحس - يرى سطحية الأرض ودوران الشمس من البديهيات المشاهَدة. والحال أن تشويش الاذهان - لا سيما فِي مقدار عشرة أعصر لتشهِّي بعض أهل زماننا - منافٍ لمنهاج الإرشاد وروح البلاغة.
1 قد سنح لي فِي المرض بين النوم واليقظة فِي والشمس تجرى لمستقر لها أي فِي مستقرها ، لاستقرار منظومتها ، أي جريانها لتوليد جاذبتها النظامة للمنظومة الشمسية ، ولو سكنت لتناثرت (هذه الحاشية النومية دقيقة لطيفة) - المؤلف.