فأعلم أن المعنى: ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطراً كثيراً في بعض السنين على بعض البلاد ، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض البلاد ، فيكثر الخصب في بعضها ، والجدب في بعضها الآخر. وقوله: ليذكروا أي صرفناه بينهم ، لأجل أن يتذكروا: أي يتذكر الذين أخصبت أرضهم لكثرة المطر ، نعمة الله عليهم ، فيشكروا له ، ويتذكروا الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء ، فيبادروا بالتوبة إلى الله جل وعلا ، ليرحمهم ويسقيهم. وقوله: {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً} أي كفراً لنعمة من أنزل عليهم المطر ، وذلك بقولهم: مطرنا بنوء كذا.
وهذا المعنى دلت عليه هذه الآية الكريمة أشار له جل وعلا في سورة الواقعة في قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] فقوله: رزقكم: أي المطر ، كما قال تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً} [غافر: 13] وقوله: {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي بقولكم: مطرنا بنوء كذا ، ويزيد هذا إيضاحاً الحديث الثابت في صحيح مسلم ، وقد قدمناه بسنده ومتنه مستوفى ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً على أثر سماء أصابتهم من الليل:"أتدرون ماذا قال ربكم؟"قالوا: الله ورسوله أعلم. قال قال:"أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب".
وقد قدمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً} يدخل فيه من قال مطرنا بنوء كذا. ومن قال مطرنا بالبخار ، يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء ، ثم يتجمع ثم ينزل على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل ، وأن المطر منه كما تقدم إيضاحه فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.