وقال أبو حنيفة والشافعيّ وأصحابهما: لا يجوز استعماله في رفع الحدث ، ومن توضأ به أعاد ؛ لأنه ليس بماء مطلق ، ويتيمّم واجده لأنه ليس بواجد ماء.
وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج ، وهو قول الأوزاعيّ.
واحتجوا بحديث الصُّنابِحيّ خرجه مالك وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه مسلم ، وغير ذلك من الآثار.
وقالوا: الماء إذا توضئ به خرجت الخطايا معه ؛ فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب.
قال أبو عمر: وهذا عندي لا وجه له ؛ لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده ، وإنما معنى قوله:"خرجت الخطايا مع الماء"إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلاً عليهم.
وقال أبو ثور وداود مثل قول مالك ، وأن الوضوء بالماء المستعمل جائز ؛ لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء وهو ماء مطلق.
واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة.
وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المَرْوَزِيّ محمد بن نصر.
وروي عن عليّ بن أبي طالب وابن عمر وأبي أُمامة وعطاء بن أبي رَبَاح والحسن البصري والنَّخَعِيّ ومكحول والزهريّ أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللاً: إنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه ؛ فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل.
روى عبد السلام بن صالح حدّثنا إسحاق بن سُويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم مرضى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ذات يوم وقد اغتسل وقد بقيت لمعة من جسده ولم يصبها الماء ، فقلنا: يا رسول الله ، هذه لمعة لم يصبها الماء ؛ فكان له شعر وارد ، فقال بشعره هكذا على المكان فبَلَّه.
أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ ، وقال: عبد السلام بن صالح هذا بصريّ وليس بقويّ ، وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلاً ، وهو الصواب.