ولما هدد المكذبين ، بإهلاك الأولين ، الذين كانوا أقوى منهم وأكثر ، وقدم قصة موسى عليه السلام لمناسبة الكتاب في نفسه أولاً ؛ وفي تنجيمه ثانياً ، أتبعه أول الأمم ، لأنهم أول ، ولما في عذابهم من الهول ، ولمناسبة ما بينه وبين عذاب القبط ، فقال: {وقوم} أي ودمرنا قوم {نوح لما كذبوا الرسل} بتكذيبهم نوحاً ؛ لأن من كذب واحداً من الأنبياء بالفعل فقد كذب الكل بالقوة ، لأن المعجزات هي البرهان على صدقهم ، وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق ، لا يقدر على معارضتها ، فالتكذيب بشيء منها تكذيب بالجميع لأنه لا فرق ، ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم ، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر.
ولما كان كأنه قيل: بأيّ شيء دمروا؟ قال: {أغرقناهم} كما أغرقنا آل فرعون بأعظم مما أغرقناهم {وجعلناهم} أي قوم نوح في ذلك {للناس آية} أي علامة على قدرتنا على ما نريد من إحداث الماء وغيره وإعدامه والتصرف في ذلك بكل ما نشاء ، وإنجاء من نريد بما أهلكنا به عدوه {وأعتدنا} أي هيأنا تهيئة قريبة جداً وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير ؛ وكان الأصل: لهم ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {للظالمين} أي كلهم في أيّ زمان كانوا ، لأجل ظلمهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها {عذاباً أليماً} لاسيما في الآخرة.
ولما ذكر آخر الأمم المهلكة بعامة وأولها ، وكان إهلاكهما بالماء ، ذكر من بينهما ممن أهلك بغير ذلك ، إظهاراً للقدرة والاختيار ، وطوى خبرهم بغير العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال: {وعاداً} أي ودمرنا عاداً بالريح {وثموداْ} بالصيحة {وأصحاب الرس} أي البئر التي هي غير مطوية ؛ قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك.