وقوله: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} اللام من صلة {أَنْزَلْنَا} . وإنما قال جل ذكره: {مَيْتًا} ، لأنه أراد به المكان، أو لأن البلدة في معنى البلد. {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ} (أنعامًا) مفعول ثان لقوله: (نُسْقِيَهُ) ، و {مِمَّا} يجوز أن يكون من صلة (نُسْقِيَهُ) ، وأن يكون في موضع الحال من الأنعام والأناسي لتقدمه عليهما، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع، و (من) على الوجه الأول لابتداء الغاية، وعلى الثاني للبيان.
وقرئ: (ونَسقيه) بفتح النون، وهما لغتان، أعني: أسقي وسقى. وقيل غير هذا، وقد ذكر.
و (أَنَاسيّ) جمع إنْسي، وهو واحد الإنس، أو جمع إنسان، والأصل أناسين، كسراحين في جمع سرحان، فقلبت النون ياء ثم أدغمت الياء في الياء، وقيل: بل ألقيت النون من آخره وعوضت الياء بدلًا منها، والمعنى: ونسقي ذلك الماء أنعامًا وأناسي كثيرًا من جملة ما خلقنا، لأن من الحيوان ما يعيش بغير الماء.
[والجمهور على تشديد ياء (أَناسِيَّ) على الأصل] ، وقرئ: (وأَنَاسيَ)
بالتخفيف، على حذف ياء أفاعيل، كقولهم: أناعم في أناعيم.
والهاء في {صَرَّفْنَاهُ} للمطر. وقيل: للقول، أي: ولقد صرفنا هذا القولط بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر.
{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) } :
قوله عز وجل: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي: خلطهما. وقيل: خلاهما متجاورين متلاصقين.