مهاوي المشكلات. وأعظم بلاء حل بهم من قبل دينهم عدم فهم القضاء والقدر على
وجهه المعقول الذي شرحناه حيث خرجوا به إلى الجبر وإنكار أثر الأسباب في
المسببات حتى صار من يطلب الشيء من سببه ويرى أنه يوجد بوجوده وينتفي
بانتفائه يعد من فاسدي الاعتقاد كأن الإنسان عندهم لا يكون مسلمًا صحيح الاعتقاد
حتى يمتلخ عقله وينتزع وجدانه ويكابر حسه وينكر الوجود نفسه , وكأن المسلم
خلق لأن يجهل كل شيء ويترك كل سعي وكسب ويبسط يديه إلى القضاء والقدر
لتفيض عليه الأرزاق والبركات والخيرات بإبطال نظام الكون وتبديل سنن الخليقة
ونواميس الطبيعة التي لا تتبدل ولا تتحول. إذا قال الطبيب: إن مداراة الصحة
على الوجه الفلاني سبب في طول العمر أو يطيل العمر؛ يقول الجاهلون: قد كفر
وإذا صدقه المؤرخ الإحصائي فذكر عدة بلاد وممالك قلت فيها الوفيات منذ
انتشرت فيها المعارف الطبية , وصار تعليم فن حفظ الصحة (الهيجين) عامًّا في
ذكرانها وإناثها؛ يقولون: قد كذب واختلق. أفلا يرون كيف يفتك الطاعون في
الهند كما كان يفتك بأوربا في العصور الغابرة وكذلك الهيضة المعروفة بالهواء
الأصفر سالمت الغرب ولم تزل عدوة فتاكة في الشرق. إذا أوردت مثل هذا؛
يعترضك المتحذلقون الشاكون المشككون بذكر شواذ لا يعرفون أن لشذوذها أسبابًا
وقف عليها الطبيب ونحوه , وإذا لم يقف على بعضها يتلمسه حتى يجده كما وقع
للأطباء وغيرهم من علماء الكون في مسائل لا تحصى.
إذا قال الطبيب: إن كذا يطيل في العمر أو يقصر فهو لا يعني بالعمر ما قدر
الله في سابق علمه لأن وظيفته ليس من موضوعها انكشاف المعلومات لله تعالى أو
عدم انكشافها - على فرض جواز ذلك , وإنما موضوعه بدن الإنسان من حيث
يمرض ويصح وما يكون من أثر ذلك في طول البقاء وعدمه واستمداده من التجارب
التي تنكشف بها سنن الله في الخلق وتعرف بها الأسباب التي أناط الله تعالى بها
الحوادث وجودًا وعدمًا فهو بهذا أعلم منهم بقضاء الله وتقديره لوقوفه على سننه في
هذا التقدير.
كيف ينكر مسلم أن شيئًا من الأشياء. يكون سببًا في بسطة الأجل وطول