مجبور على الكفر في صورة مختار له كما قال بعضهم؟ وقد نظم هذا السؤال
يهودي فقال:
أيا علماء الدين ذمي دينكم ... تحير دلوه بأوضح حجة
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي
قَضَاني يهوديًّا وقال: ارض بالقضا ... فها أنا راض بالذي فيه شقوتي
والجواب عن هذا أن تعلق العلم أو الإرادة بأن فلانًا يفعل كذا لا ينافي أنه
يفعله باختيار إلا إذا تعلق العلم بأنه يفعله مضطرًّا كحركة المرتعش مثلاً , ولكن
أفعال العباد الاختيارية قد سبق في القضاء بأنها تقع اختيارية أى بإرادة فاعليها لا
رغمًا عنهم , وبهذا صح التكليف ولم يكن التشريع عبثًا ولا لغوًا. وثم وجه آخر
في الجواب وهو: لو كان سبق العلم أو الإرادة بأن فاعلاً يفعل كذا يستلزم أن يكون
ذلك الفاعل مجبورًا على فعله؛ لكان الواجب تعالى وتقدس مجبورًا على أفعاله كلها
لأن العلم الأزلي قد تعلق بذلك , وكل ما تعلق به العلم الصحيح لابد من وقوعه.
فتبين بهذا أن الجبرية ومن تلا تلوهم ولم يُسمَّ باسمهم قد غفلوا عن معنى الاختيار.
واشتبهت عليهم الأنظار. فكابروا الحس والوجدان. ودابروا الدليل والبرهان.
وعطلوا الشرائع والأديان. وتوهموا أنهم يعظمون الله ولكنهم ما قدروه حق قدره.
ولا فقهوا سر نهيه وأمره. حيث جرأوا الجهلاء على التنصل من تبعة الذنوب
والأوزار. وادعاء البراءة لأنفسهم والإنحاء باللوم على القضاء والمقدار. وذلك
تنزيه لأنفسهم من دون الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله. بل ذلك إغراء للإنسان
بالانغماس في الفسوق والعصيان. فياعجبًا لهم كيف جعلوا أعظم الزواجر من
الإغراء. وهو الاعتقاد بإحاطة علم الله بالأشياء. أليس من شأن من لم يفسد الجبر
فطرته ويظلم الجهل بصيرته أن يكون أعظم مهذب لنفسه. ومؤدب لعقله وحسه
اعتقاده بأن الله عليم بما يسر ويعلن. ويظهر ويبطن. وأنه ناظر إليه ومطلع عليه؟
بلى إن الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأما الذين
ضلوا السبيل. واتبعوا فاسد التأويل فيقولون كما قال من قبلهم وقص الله علينا ذلك