قد يأذن لك أحدهم في الدخول حين تطرق بابه خجلاً منك، وهو لا يريد في قرارة نفسه أن تدخل بيته، فقد يكون تعباً يريد النوم أو الراحة، وقد يكون مشغولاً في أمر لا يحب أن يطّلع عليه أحد، أو كان يجهز نفسه لموعد ضربه أو لأسباب أخرى ... يدعوك للدخول بلسانه، وبريق عينيه يظهر عكس ذلك. أما الأنس فشيء آخر. إنه الترحيب الذي تشترك فيه الحواس كلها تدعوك مشتاقة إليك، راغبة فيك مسرورة بلقائك. فكانت كلمة (تستأنسوا) رائعة في التعبير عن دخيلة النفس في الآية الكريمة"يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها"أما إذا كان صاحب البيت شجاعاً وقال للزائر: لن أستطيع الآن دعوتك للدخول فارجع. فقد وجب الرجوع دون أية حفيظة تبدو من الزائر أو امتعاض منه،"وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا"وهنا يظهر أدب الزائر في ردة الفعل، وحسن تصرفه بالتزامه أدب الإسلام في العودة، إنْ بعذر، أو بغير عذر، وبذلك يروّض نفسه على احترام خصوصية الآخرين. وحسبه جائزةُ الله تعالى"فارجعوا هو أزكى لكم"كما فعل سعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابو موسى مع عمر .. إنها طهارة النفس من الغضب وردة الفعل السيئة التي قد يمليها الشعور بالإهانة، فيبادر إلى القطيعة والعداوة، ويكون الرابح الأول فيها شيطانه الوسواس الخناس.
يقول أحد المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها، أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا منبسط لقوله تعالى"فارجعوا هو أزكى لكم"ولعله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إذ يقول: فيقولون ابن عم رسول الله، لا نرده.