و رابعها: كيف وقعت التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب؟
والأجوبة التي تتضح بها هذه الإشكالات الأربعة هي:
الجواب الأول:
أما فائدة الإخبار برفع الجناح عمن أكل من بيته فإنما ذكر ذلك توطئة ليبني عليه ما يعطفه على جملته من البيوت التي قصد إباحة الأكل منها ، فإنه إذا علم أن الإنسان لا جناح عليه أن يأكل من بيته فكذلك لا جناح عليه أن يأكل من هذه البيوت ليشير إلى أن أموال هذه القرابة كمال الإنسان ، وإذا تساوت هذه الأموال سرى ذلك التساوي إلى الأزواج ، فيكون سبحانه قد أدمج في ذلك الحض على صلة الأرحام ومعاملتهم معاملة الإنسان نفسه.
الجواب الثاني:
وأما عدم ذكر بيوت الأولاد فإنما ذكر من الأموال ما يظن بأن الأكل منه محظور فاحتاج إلى بيان الإباحة ، وأما أموال الأولاد فتصرف الوالدين فيها كتصرفهم في أموالهم أنفسهم ، لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ، ألا ترى أن الشرع يوجب على الولد نفقة الوالدين إذا كانا محتاجين؟ وفي الحديث:"إن طيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه".
الجواب الثالث:
وأما زعم القائل بأن الكلام فيه تداخل لأن قوله"أو ما ملكتم مفاتحه"هو ما في بيوتهم فإنه يحتمل أن يراد بما في البيوت المال التليد
العتيد وما ملك الإنسان مفاتحه: المال الطريف المكتسب الذي يتسبّب الإنسان في تحصيله ويتعب في اكتسابه.
الجواب الرابع:
وأما سر التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب فهو تعريف حق الصديق الذي ساوى باطنه ظاهره في إخلاص المودة ، ولا يسمى صديقا حتى يكون كذلك ، فإن اشتقاق اسمه من صدق المحبة وصفاء المودة وهو الذي أشار إليه سبحانه بقوله"ولا صديق حميم"فإذا كان الصديق بهذه المثابة وعلى هذه الصفة ساوى هذه القرابة القريبة فليس على الإنسان جناح إذا تصرف في ماله تصرفه في مال نفسه.