الرغبة نفذ قوة زهدهم وضعف دعائهم وصبرهم فيترخصون بالجنوح إلى بعض التأويلات فيعود رغباتهم قليلا قليلا ويحيل رتبة الصفات وتنهد دعائم زهدهم فبداية ذلك من الطرائق التي خلق فوقهم وأما العارفون فربما تظلهم في بعض الأحايين وقفة في تصاعد سرّهم إلى ساحات الحقائق فيصيرون موقوفين ريث ما يتفضل الحق سبحانه بكفاية ذلك فيجدون نفاذ أو يرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق وفى جميع هذا الحق سبحانه غير تارك للعبد ولا عن الخلق غافل.
قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ} أنزل من سماوات القيومية مياه أنوار المعرفة بقدر قوى الأرواح القدسية واسكنها في أماكن قلوب العارفين فتجرى على عرضاتها وتنبت أشجار الحقائق وازهار الدقائق وياسمين المودة وورد المحبة ونرجس السعادة وبنفسج الكفاية بقوله {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} وتنبت على ميناء العقل شجرة الإيمان التي تنبت ثمرة الايقان التي تتنور صبغتها حقيقة التوحيد والعرفان.
قوله تعالى {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} قال الأستاذ ماء هو صوب الرحمة يزيل به درن العصاة واثار ذلتهم وغيار عثرتهم وماء هو يسقى قلوبهم يزيل به عطش كيدهم ويحيى به أموات الحق لهم فنبت في رياض قلوبهم فنون ازهار البسط وصنوف أنوار الروح وماء هو شراب المحبة فيخضر به قلوب ساحات القرب فيزيل عنها به حشمة الوصف ويسكر به قلوب فيعطلها عن التمييز ويحملها على التجانس والخطر يبذل الروح فإذا شربوا طربوا وإذا طربوا لم ينالوا بما وهبوا.
قوله تعالى {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أمر الله سبحانه نبيه نوحا عليه السّلام أن يصنع أعماله جميعا على وصف المراقبة والمشاهدة حتى يكون محفوظا بعصمته عن طريان القهر قال الجنيد من عامل على المشاهدة رؤية الله عليه الرضا قال الله واصنع الفلك باعيننا.