قال سعيدٌ عن قتادةَ: قالَ عمرُ بنُ الخطابِ: ذكِّروهم النارَ ؛ لعلَّهم
يفرقُونَ ، فإن حرَّها شديدٌ ، وقعرُها بعيدٌ ، وشرابُها الصديدُ ، ومقامعُها
الحديدُ.
وذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن صالح المريِّ أنه قرأ على بعضِ العبادِ:
(إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ(71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) .
قالَ: فشهقَ الرجلُ شهقةً ، فإذا هو قدْ يبسَ مغشيًا عليهِ ، قالَ: فخرجْنَا
من عندِهِ وتركْنَاهُ.
وقرأ رجلٌ على يزيدَ الضبيِّ: (وَترَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) ، فجعلَ يزيدُ يبكي حتى غشيَ عليه.
خرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ.
وقد سبقَ عن مالكِ بنِ دينارٍ: أنه قامَ ليلةً في وسطِ الدارِ إلى الصباح ،
فقالَ: ما زالَ أهلُ النارِ يعرضُونَ عليَّ في سلاسلهم وأغلالِهِم حتى
الصباحِ.
قوله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)
وقال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)
والمعنى: أنه تعالى يحبُّ من عبادِهِ أنْ يتَّقُوه ويُطيعُوه ، كما أنَّه يكره منهم
أن يعْصُوه ، ولهذا يفرحُ بتوبةِ التائبينَ إليه أشدَّ من فرح منْ ضلَّتْ راحلتُهُ
التي عليْهَا طعامُهُ وشرابُهُ بفَلاةٍ من الأرضِ ، وطلبَهَا حتَّى أعيا وأيسَ منهَا.
واستسلَمَ للموتِ ، وأيسَ من الحياةِ ، ثم غلبتْهُ عينُه فنامَ فاستيقظَ وهي قائمةٌ
عندَهُ ، وهذا أعْلَى ما يتصورُهُ المخلوقُ من الفرح ، هذا كلُّه مع غناهُ عن
طاعاتِ عبادِهِ وتوباتِهِم إليه ، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُها إليهِم دونَهُ ، ولكن هذا من كمالِ جودِهِ وإحسانِهِ إلى عبادِهِ ، ومحبتِهِ لنفعِهِم ودفع الضَّرَرِ عنهُم ، فهو