وقال أبو حيان: نفى الله سبحانه النفع والضر، في قوله: {مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} وأثبتهما في قوله: {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} ، لاختلاف المتعلق. وذلك أن قوله: {وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} هو الأصنام والأوثان، ولذلك أتى التعبير عنها، بـ {ما} التي لا تكون لآحاد من يعقل، وقوله: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ} هو من عبد باقتضاء، وطلب من عابديه من المدعين الإلهية، كفرعون وغيره، من ملوك بني عبيد، الذين كانوا بالمغرب، ثم ملكوا مصر، فإنهم كانوا يدعون الإلهية، ويطاف بقصرهم في مصر، وينادون بما ينادي به رب العالمين، من التسبيح والتقديس، فهؤلاء وإن كان منهم نفع ما، لعابديهم في دار الدنيا، فضررهم أعظم وأقرب من نفعهم، إذ هم في الدنيا مملوكون للكفار، وعابدون لغير الله، وفي الآخرة معذبون العذاب الدائم، ولهذا كان التعبير هنا. بـ {مَن} التي هي لمن يعقل، وعلى هذا، فتكون الجملتان من إخبار الله تعالى، عمن يدعو إلهًا غير الله تعالى اهـ.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ... (18) }
فإن قلت: إن قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} (يسجد) مفهومه أن قليلًا منهم أبوا من السجود، فيناقض كثيرًا الثاني، وأن قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} مفهومه أن قليلًا منهم يسجد، فيناقض كثيرًا الأول، فبين الكثيرين تناقض؟
قلت: إن المراد بالكثير، الأول: كثرته في ذاته، فلا ينافي قلته بالنسبة إلى الكثير الثاني، وقد أشكلني هذا التناقض زمانًا، فبحثت عن جوابه في كتب التفاسير، فلم أجده، فظهر لي هذا الجواب بفضله، فلله الحمد، ثم رأيت ما يوافقه في تفسير"روح البيان"، ونص عبارته، يقول الفقير: الكثير الأول كثير في نفسه، قليل بالنسبة إلى الكثير الثاني، إذ أهل الجمال أقل من أهل الجلال، وهو الواحد من الألف، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: إن الواحد على الحق، هو السواد الأعظم.
وعن بعضهم: قليل إذا عدوا، كثير إذا شدوا؛ أي: أظهروا الشدة انتهى.
(فائدة)
قال الإمام النيسابوري - رحمه الله تعالى - في"كشف الأسرار":