وعن بشْرِ بن مُحَمَّدٍ قال: رأيتُ في الطَّوافِ كَهْلاً قد أجهدتْهُ العبادةُ، واصفَرَّ لونهُ، وبيدهِ عصا وهو يطوفُ معتمداً عليها، فتقدَّمتُ إليه لأسألَهُ، فقال لِي: مِن أين أنتَ؟
فقلتُ: من خُراسان، قال: من أيِّ ناحيةٍ هي؟
قلتُ: من نواحي المشرقِ، فقال لِي: فِي كم تقطعونَ هذا الطريقَ؟
قلتُ: شهرين أو ثلاثة، قال: أفلاَ تَحُجُّونَ في كلِّ عام وأنتم جيرانُ البيتِ؟
قلتُ: وأنتم كم بينَكُم وبين هذا البيتِ؟
فقال: مسيرةُ خمسِ سنين، فقلتُ: والله إن هذا الجهدُ لَبَيِّنٌ، والطاعةُ الجميلة والمحبة الصادقةُ، فضَحِكَ في وجهي وأنشأَ يقولُ:
زُرْ مَنْ هَوَيْتَ وَإنْ شاطتَ بكَ الدارُ ... وَحَالَ مَنْ زُرْتَهُ حُجُبٌ وَأسْتَارُ
لاَ يَمْنَعَنَّكَ بُعْداً مِنْ زِيَارَتِهِ ... إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)
فإن قِيْلَ: لِمَ قَدَّمَ مُصَلَّيَاتِ الكافرينَ على مساجدِ المؤمنين؟
قِيْلَ: لأنَّها أقدمُ، وَقِيْلَ: لقربها من الهدمِ، وقُرب المساجد من الذِّكْرِ، كما خُرِّجَ السَّابقُ في قولهِ تعالى {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [فاطر: 32] إلى قولهِ تعالى: {بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] .
(مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ...(78)
وإنَّما أمَرَ باتِّباع ملَّة إبراهيمَ؛ لأنَّها داخلةً في مِلَّةِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.