وَالْخَشْيَةُ وَالْخَوْفُ تُوَجِّهُهُمَا الْعَرَبُ إِلَى مَعْنَى الظَّنِّ، وَتُوَجِّهُ هَذِهِ الْحُرُوفَ إِلَى مَعْنَى الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْحِسِّ وَالْعِيَانِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ {خَشِينَا} فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: كَرِهْنَا، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى.
وَقَالَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ: «فَخَافَ رَبُّكَ» ، قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ خِفْتُ الرَّجُلَيْنِ أَنْ يُعَوِّلَا، وَهُوَ لَا يَخَافُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ لَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْمَكِّيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: { «فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا» } وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَعْتَلُّ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَجَدَ ذَلِكَ مُشَدَّدًا فِي عَامَّةِ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} فَأَلْحَقَ قَوْلَهُ: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا} بِهِ , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا} بِتَخْفِيفِ الدَّالِّ.
وَكَانَ بَعْضُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: أَبْدَلَ يُبْدِلُ بِالتَّخْفِيفِ وَبَدَّلَ يُبَدِّلُ بِالتَّشْدِيدِ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبْدَلَ أَبَوَيِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ صَاحِبُ مُوسَى مِنْهُ بِجَارِيَةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: أَبْدَلَهُمَا رَبُّهُمَا بِغُلَامٍ مُسْلِمٍ.
عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ ذَكَرَ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، فَقَالَ: قَدْ فَرِحَ بِهِ أَبَوَاهُ حِينَ وُلِدَ وَحُزْنًا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، وَلَوْ بَقِيَ كَانَ فِيهِ هَلَاكُهُمَا.
فَلْيَرْضَ امْرُؤٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَكْرَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ قَضَائِهِ فِيمَا يُحِبُّ.