فَتَأَمَّلْ - أَيَّدَكَ اللهُ - مَا لَمْ أَخَلْ أَنَّكَ تَرَاهُ مَسْطُورًا فِي كِتَابٍ - وَاللهُ تَعَالَى المَسْؤُولُ فِي التَّوْفِيقِ لِلصَّوَابِ - ، وَتَسْتَرِيحُ مِنْ خِلَافِيَّاتٍ وَقَعَتْ فِي أَلْفَاظِ المُفَسِّرِينَ، لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهَا عَمَّا حَقَّقْنَاهُ، وَلَا يُمْكِنُ العُدُولُ عَنْهُ، وَيَكَادُ أَنْ يَكُونَ الخِلَافُ لَفْظِيًّا؛ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُ أَحَدًا إِنْكَارُ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ فِي العَالَمِ بِاعْتِبَارِ تَغْيِيرِهِ وَتَبَدُّلِهِ، وَلَا أَنْ يَقُولَ بِتَغَيُّرِ عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى - ، فَيَكُونَ
ذَلِكَ هُوَ البَدَاءَ وَالجَهْلَ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: (إِنَّ البَدَاءَ جَائِزٌ عَلَى اللهِ - تَعَالَى -) ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا ثُمَّ يَظْهَرَ لَهُ خِلَافُ مَا اعْتَقَدَهُ - تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ - ، فَتَأَمَّلْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ؛ أَيْ: أَصْلُ الكِتَابِ؛ لأَنَّ الأُمَّ أَصْلُ الشَّيْءِ، وَالعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَا يَجْرِي مَجْرَى الأَصْلِ لِلشَّيْءِ أُمًّا لَهُ، وَمِنْهُ: (أُمُّ الرَّأْسِ) لِلدِّمَاغِ، وَ (أُمُّ القُرَى) لِمَكَّةَ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ فَهِيَ أُمٌّ لِمَا حَوْلَهَا مِنَ القُرَى، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ: (كَانَ) أُمُّ النَّوَاسِخِ، وَ (أَنْ) المَصْدَرِيَّةُ أُمُّ النَّوَاصِبِ - وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُهِمٍّ - .
وَاخْتُلِفَ فِي (أُمِّ الكِتَابِ) - هُنَا -:
فَقِيلَ: أُمُّ الكِتَابِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي لَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ، حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ يَجْرِي فِيهِ التَّبْدِيلُ.
وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْتَ رَدَّهُ بِمَا مَرَّ؛ فَفِي «تَفْسِيرِ الخَازِنِ» : «وَسُمِّيَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ (أُمَّ الكِتَابِ) لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ مُثْبَتَةٌ فِيهِ، وَمِنْهُ تُنْسَخُ الكُتُبُ المُنْزَلَةُ، وَقِيلَ: إِنَّ العُلُومَ كُلَّهَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَتَتَوَلَّدُ مِنْهُ» .