وَيُؤِيِّدُ هَذَا: مَا ذَكَرَ الإِمَامُ الفَخْرُ - وَغَيْرُهُ - فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ... أَنَّ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الكِتَابِ: «أَنَّهُ - تَعَالَى - إِنَّمَا كَتَبَ هَذِهِ الأَحْوَالَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِتَقِفَ المَلَائِكَةُ عَلَى إِنْفَاذِ عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى - فِي المَعْلُومَاتِ، وَأَنَّهُ لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْءٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِبْرَةً تَامَّةً لِلْمَلَائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِاللَّوْحِ؛ لأَنَّهُمْ يُقَابِلُونَ بِهِ مَا يَحْدُثُ فِي هَذَا العَالَمِ، فَيَجِدُونَهُ مَوَافِقًا لَهُ» .
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَهُوَ الحَقُّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى -: أَنَّ القَوْلَ بِوُقُوعِ الإِثْبَاتِ الآنَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَا يُقَالُ بِهِ؛ لأَنَّ كِتَابَةَ المَقَادِيرِ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَتَمَّ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وَأَمَّا القَوْلُ بِمَحْوِ الكِتَابَةِ الآنَ مِنَ اللَّوْحِ فَلَا يَنْبَغِي القَوْلُ بِهِ - أَيْضًا - ؛
إِذْ لَا مَعْنَى لِمَحْوِهَا مِنْهُ يَقْتَضِي كَبِيرَ فَائِدَةٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: عَلَامَ تَحْمِلُ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} ؟ وَهَلْ هُوَ عَلَى العُمُومِ وَالخُصُوصِ؟
قُلْتُ: هُوَ عَلَى العُمُومِ فِيمَا يَشَاؤُهُ - تَعَالَى - مِنْ سَعَادَةٍ وَشَقَاوَةٍ وَرِزْقٍ وَأَجَلٍ - وَغَيْرِ ذَلِكَ - كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الآيَةِ، لَكِنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ لَا يُحْمَلُ عَلَى نَفْسِ الكِتَابَةِ الَّتِي فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ بَلْ فِي مُتَعَلَّقِ الكِتَابَةِ الَّتِي فِي الخَارِجِ مِنَ المَوْجُودَاتِ؛ فَإِنَّ المَحْوَ تَارَةً يُرَادُ بِهِ ذَهَابُ أَثَرِ الكِتَابَةِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فِي اللَّوْحِ، وَتَارَةً يُرَادُ بِالمَحْوِ مُطْلَقُ الإِزَالَةِ وَالتَّغْيِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ المُرَادُ هُنَا، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي اللُّغَةِ، شَائِعٌ بِكَثْرَةٍ؛ قَالَ اللهُ - تَعَالَى -: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا ... ... ... .