فالتكليف يأمرك بترْكِ ما تحب ، وأنْ تنفذ بعض ما يصعب عليك ، وأن تمتثل بالابتعاد عما ينهاك عنه ، وكُلُّ هذا يقتضي مُجَاهدة من النفس ، والصبر الذاتي على مشَاقِّ التكليف .
ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصلاة مثلاً: {... وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين} [البقرة: 45]
وهذا صَبْر الذَّات على الذات . ولكن هناك صَبْر آخر ؛ صبر منك على شيء يقع من غيرك ؛ ويُخرِجك هذا الشيء عن استقامة نفسك وسعادتها .
وهو ينقسم إلى قسمين: قسم تجد فيه غريماً لك ؛ وقسم لا تجد فيه غريماً لك .
فالمرض الذي يُخرِج الإنسان عن حَيِّز الاستقامة الصِّحية ويُسبِّب لك الألم ؛ ليس لك فيه غريم ؛ لكنك تجد الغريم حين يعتدي عليك إنسانٌ بالضرب مثلاً ؛ ويكون هذا الذي يعتدي عليك هو الغريم لك .
وكل صبر له طاقة إيمانية تحتمله ؛ فالذي يَقْدر على شيء ليس فيه غريم ؛ يكون صَبْره معقولاً بعض الشيء ؛ لأنه لا يوجد له غريم يهيج مشاعره .
أما صبر الإنسان على أَلم أوقعه به مَنْ يراه أمامه ؛ فهذا يحتاج إلى قوة ضَبْط كبيرة ؛ كي لا يهيج الإنسان ويُفكِّر في الانتقام .
ولذلك تجد الحق يفصل بين الأمرين ؛ يفصل بين شيء أصابك ولا تجد لك غريماً فيه ، وشيء أصابك ولك من مثلك غريمٌ فيه .
ويقول سبحانه عن الصبر ليس لك غريم فيه: {... واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان: 17]
ويقول عن الصبر الذي لك فيه غريم ، ويحتاج إلى كَظْم الغيظ ، وضبط الغضب: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور} [الشورى: 43]
وحينما يريد الحق سبحانه منك أن تصبر ؛ فهو لا يطلب ذلك منك وحدك ؛ ولكن يطلب من المقابلين لك جميعاً أنْ يصبروا على إيذائك لهم ؛ فكأنه طلب منك أنْ تصبر على الإيذاء الواقع من الغير عليك ؛ وأنت فرد واحد .