وأولو الألباب يخافون سُوء حساب الحق سبحانه لهم ؛ فيدعهم هذا الخوف على أَنْ يَصِلوا ما أمر به سبحانه أنْ يُوصَل ، وأنْ يبتعدوا عن أي شيء يغضبه .
ونحن نعلم أن سوء الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه ؛ فسبحانه مُنزَّه عن ظلم أحد ، ولكن مَنْ يُناقش الحسابَ فهو مَنْ يَلْقى العذاب ؛ ونعوذ بالله من ذلك ، فلا أحد بقادر على أن يتحمل عذابَ الحق له .
ويواصل الحق سبحانه وَصْف أُولي الألباب فيقول:
{وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ ...}
ونجد هذه الآية معطوفة على ما سبقها من صفات أولي الألباب الذين يتذكَّرون ويعرفون مَواطن الحق بعقولهم اهتداءً بالدليل ؛ الذين يُوفون بالعهد الإيماني بمجرد إيمانهم بالله في كُلِّيات العقيدة الوحدانية ، ومُقْتضيات التشريع الذي تأتي به تلك العقيدة .
ولذلك جعلها سبحانه صفقة أوضحها في قوله تعالى: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ...} [التوبة: 111]
وهي صفقة إيجاب وقَبُول ، والعهد إيجاب وقبول ؛ وهو ميثاق مُؤكَّد بالأدلة الفِطْرية أولاً ، والأدلة العقلية ثانياً .
وهُمْ في هذه الآية مَنْ صبروا ابتغاءَ وجه ربهم ، والصبر هو تحمُّل متاعب تطرأ على النفس الإنسانية لتخريجها عن وقار استقامتها ونعيمها وسعادتها ، وكل ما يُخرِج النفس الإنسانية عن صياغة الإنسجام في النفس يحتاج صبراً .
والصبر يحتاج صابراً هو الإنسان المؤمن ، ويحتاج مَصْبوراً عليه ؛ والمَصْبور عليه في الأحداث قد يكون في ذات النفس ؛ كأنْ يصبر الإنسان على مشقَّة التكليف الذي يقول"افعل"و"لا تفعل".