وما عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها، وأن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه، وأن تصبر حتى يأتي الله بأمره، وأن تثق أن وليها قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه لا يمكن أن يترك أولياءه إلى أعدائه إلا فترة الإعداد والابتلاء، وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سينصرها ويمكن لها بلا ريب، فالله حكيم يربي بالبلاء الداعي والمدعو معاً.
لقد دعا نوح - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا القليل، وعندما لجأ نوح إلى ربه، والقوم يطاردونه ويزجرونه، ويفترون عليه، ويسخرون منه، ويكذبونه كما قال سبحانه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) } [القمر: 9، 10] .
عندما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه مغلوب، ويدعو ربه أن ينتصر لعبده المغلوب، والله يسمعه ويراه، ويرى ما يفعل به، عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة، وأرسل جندياً من جنوده ليكون في خدمة ونصرة عبده المغلوب: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) } [القمر: 11، 12] .
إن هذه العصبة المؤمنة غالية عند الله، وقد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء، وأهلك كل حي، ومكن لها في الأرض.
وبينما كانت تلك القوى الكونية تزاول عملها في إهلاك القوم المكذبين كان الله مع رسوله وعباده المؤمنين المغلوبين: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) } [القمر: 13، 14] .
فهل يتعظ بذلك الطرفان المؤمن والكافر: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) } [القمر: 15] .
لقد طوى الطوفان المكذبين من قوم نوح، واستبعدوا من الحياة ومن رحمة الله سواء، ولم يبق على الأرض من الكافرين دياراً.