ومواجهة الكفار بهذه الحقيقة ستؤدي إلى أن تزيد كثيراً منهم طغياناً وكفراً، وعناداً ولجاجاً، ولكن هذا لم يمنع من مواجهتهم بها، وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان، والضلال والشرود، بسبب مواجهتهم بها.
وأن حكمته سبحانه تقتضي أن يصدع بكلمة الحق، وأن تترتب عليها آثارها في النفوس البشرية فيهتدي من يهتدي عن بينة، ويضل من يضل عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة:
{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) } [المائدة: 64] .
والله عزَّ وجلَّ يبين للداعي بهذا منهج الدعوة، ويطلعه على حكمة الله في هذا المنهج، ويسلي قلبه عما يصيب الذين لا يهتدون، إذا هاجتهم كلمة الحق فازدادوا طغياناً وكفراً، فهم يستحقون هذا المصير البائس؛ لأن قلوبهم لا تطيق
كلمة الحق، ولا خير في أعماقها ولا صدق.
فمن حكمة الله أن تواجه بكلمة الحق ليظهر ما كمن فيها وما بطن، ولتجهر بالطغيان والكفر، ولتستحق جزاء الطغاة والكفار.
وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس إلا إذا أبلغهم عن الله، ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس إلا إذا أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة، ووصف لهم ما هم عليه من الباطل بلا مجاملة ولا مداهنة، فهو قد يغرهم ويخدعهم ويضرهم إن لم يبين لهم أنهم ليسوا على شيء، وأن ما هم عليه باطل كله من أساسه، وأنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماماً غير ما هم عليه.
فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) } [الأنفال: 42] .