إن كلمة الحق، كلمة (لا إله إلا الله) يجب أن تبلغ كاملة فاصلة من أول يوم، وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء، وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل، لا بدَّ أن يصدع بها الداعي لتصل إلى القلوب في قوة ونفاذ كما قال سبحانه لرسوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) } [الكافرون: 1، 2] .
وكلمة الحق في العقيدة حين يصدع بها الداعي تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى، وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة.
والقوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة لا يعني الخشونة والفظاظة، بل أمر الله رسوله بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولا تعارض في ذلك فوسيلة التبليغ شيء، والمادة المبلغة شيء آخر، فقد وصف الرسول الكفار بصفتهم، وفاصلهم في الأمر، وبين أنهم على الباطل المحض، ودعاهم إلى الحق المحض.
وأمره ربه عزَّ وجلَّ أن يقول لأهل الكتاب أنهم ليسوا على شيء من الدين والإيمان، بل ليسوا على شيء أصلاً كما قال سبحانه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) } [المائدة: 68] .
لأن الدين ليس كلاماً يقال باللسان .. ولا كتباً تقرأ وترتل .. وليس صفات تورث وتدعى.
إنما الدين منهج حياة، منهج يشمل العقيدة في القلب، والعبادة الممثلة في الشعائر، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج الإلهي.
ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه كُلِّف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين، وليسوا على شيء أصلاً من هذا القبيل، حتى يمتثلوا أوامر الله التي جاءت في كتبه المنزلة.