قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} فَهَذَا مِمَّا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْإِثْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَكَذَلِكَ الْجَزَاءُ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ ؛ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: قَدْ يَسْقُطُ الْجَزَاءُ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ الَّذِي يَجِبُ فِي الْعَمْدِ وَيَثْبُتُ الضَّمَانُ الَّذِي يَجِبُ فِي الْخَطَأِ كَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَكَمَا يَجِبُ ضَمَانُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُتْلِفُهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فِي مَالِهِ وَإِنْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ خَطَأً ؛ مُعَاوَنَةً لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّ الْمَظْلُومِ خَطَأً ؛ فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي ظَلَمَ خَطَأً ؛ لَكِنْ يُقَالُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا كَانَ الْحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ تَبَعٌ لَهُ وَمَا كَانَ حَقًّا لِآدَمِيِّ مَحْضًا أَوْ غَالِبًا وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يُوجِبُونَ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ ضَمَانَ مَا أَتْلَفُوهُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِالتَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنْهُمْ لَيْسَ كُفْرًا وَلَا فِسْقًا. وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرَهُمْ وَلَمْ يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ يَسْبُوا حَرِيمَهُمْ وَلَمْ يَغْنَمُوا أَمْوَالَهُمْ فَلَا يُقَاتِلُونَهُمْ عَلَى مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إذَا أَتْلَفُوا مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ تَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقِصَاصَ سَاقِطٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْجِهَادِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْأَجْرُ عَلَى اللَّهِ وَهَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ