وثالثها: أنّ الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها ، بل ربما كان حصة الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل ، فهذه الجهات الثلاثة منفرة عن هذه اللذات ، ولما عرف العاقل أنه لا يحصل تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه الجهات الثلاثة المنفرة لا جرم تمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات ، ومنها: أن تداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع: لذة الأكل ولذة النكاح ولذة الرياسة ، ولكل واحدة منها عيوب كثيرة ، أمّا لذة الأكل ففيها عيوب أحدها: أنّ هذه اللذة ليست لذة قوية ، فإنه لا يمكن إبقاؤها ، فإنّ الإنسان إذا أكل وشبع لم يبق فيه الالتذاذ ، بالأكل ، فهذه اللذة ضعيفة ، ومع ضعفها غير باقية: وثانيها: أنها في نفسها خسيسة وأنّ الأكل عبارة عن ترطيب ذلك الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ، ولا شك أنه شيء منفر ، ولما يصل إلى المعدة يظهر فيه الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة ، وذلك أيضاً منفر ، وثالثها: أنّ جميع الحيوانات الخسيسة مشاركة له فيها ، ورابعها: أنّ الأكل إنما يطيب عند اشتداد الجوع ، والجوع نقص وآفة ، وخامسها: أنّ الأكل مستحقر عند العقلاء حتى قيل: من كانت همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه ، فهذه إشارات مختصرة إلى معايب الأكل ، وأمّا لذة النكاح فما ذكر في الأكل حاصل هنا مع أشياء أخر ، وهي أنّ النكاح سبب لحصول الولد ، وحينئذ تكثر الأشخاص فتكثر الحاجات إلى المال ، فيحتاج الإنسان بسببها إلى الاحتيال في المال بطرق لا نهاية لها ، وربما صار هالكاً بسبب طلب المال.
وأمّا لذة الرياسة فعيوبها كثيرة منها: أن يكون على شرف الزوال في كل حين وأوان ، ومنها: أنه عند حصولها في الخوف الشديد من الزوال ، ومنها أنه يكون عند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال ، فالعاقل إذا تأمّل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات فيكون لقاء الله عنده أرجح فيتمنى الموت.