وفى هذا تتجلّى رحمة اللّه بأوليائه ، ورعايته لهم! ومن جهة أخرى ، فإن رسل اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليهم - ليسوا من عالم الملائكة ، وإنما هم بشر ، تتحرك فِي كيانهم نوازع الإنسان وشهواته ، وأنّهم يغالبون هذه النوازع ، ويمسكون زمام تلك الشهوات ، ولكن إلى مدى ، هو غاية ما يبلغه احتمال البشر .. حتى إذا كان النبيّ من أنبياء اللّه أو الرسول من رسله فِي مواجهة تجربة كهذه التجربة ، التي استنفد فيها - كإنسان وكنبيّ معا - كلّ مالديه من صبر واحتمال ، بشريّ - جاءت أمداد اللّه ، لتمد النبيّ فِي هذه المعركة التي لا بد أن يكسبها ، ويكتب له النصر فيها ، وذلك لحساب النبوّة والرسالة ، ولحساب النبيّ كنبيّ والرسول كرسول .. تماما كما جاءت أمداد السّماء لتشارك فِي معركة بدر ، ولتقوم إلى جانب الجهد الإنسانيّ ، فِي كسب أول معركة للإسلام ، تلك المعركة التي كان لا بد له أن يكسبها!!
قد أحسن الإمام البيضاوي ، حين قال عن همّ امرأة العزيز بيوسف وهمّه هو بها: « قصدت مخالطته ، وقصد مخالطتها .. والهمّ بالشيء: قصده والعزم عليه .. والمراد بهمّه عليه السلام ، ميل الطبع ، ومنازعة الشهوة ، لا القصد الاختياري ، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف ، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من اللّه ، من يكفّ نفسه عند قيام هذا الهمّ ومشارفة الهمّ » .
ـ وفى قوله تعالى: « كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » أي بمثل هذا البرهان نجئ به إليه ، لنصرف عنه « السّوء » أي الأذى ، الذي تتعرض له فطرته السليمة « والفحشاء » أي المنكر الممثل فِي الزّنا. « إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » هو تعليل لما أراد اللّه بهذا النبيّ الكريم من خير ، فصرف عنه السوء والفحشاء ، لأنه من عباد اللّه الذي اصطفاهم اللّه ، وجعلهم خالصة له.