وهذا يعني: أن نصيب أنبياء اللّه ، ورسله ، وأوليائه من المعاناة والمشقة أكبر نصيب ، وأنه يقدر ما واجهوا من بلاء وفتنة بقدر ما كان لهم من منزلة عند ربهم ..
وفى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - المثل الأعلى فيما امتحن به ، وفيما تعرض له ، من فتن وابتلاء ، فِي مشاعره ، وعواطفه ، ونوازعه .. فلقد شهد أهله يتمزّقون بين يديه شيعا ، ورأى أتباعه وأحبابه يعذّبون بسياط الظلم بين يديه ، ويموتون تحت وطأة هذا العذاب ، كما رآهم وهم يخرجون مهاجرين ، فارّين من وجه هذا البلاء ، مخلّفين وراءهم أهلهم وديارهم وأموالهم .. ثم رآهم فِي ميدان القتال يخرون صرعى ، يفدّونه بأنفسهم ، وبودّه لو فدّاهم بنفسه ..
وهكذا كانت حياة النبيّ ساعة بساعة ، بل ولحظة لحظة ، مسيرة شاقّة على درب طويل من الآلام والمحن .. وبهذا استحقّ تلك المنزلة التي استوى بها على هامة الإنسانية كلها ، فكان سيد خلق اللّه ، وخاتم رسل اللّه ، وإمام أنبياء اللّه!! وعلى هذا ، فإنّ لنا أن نفهم قوله تعالى: « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » على أن امرأة العزيز قد همّت به ، وأنه - عليه السلام - همّ بها وكاد الأمر يقع ، لولا أن تداركه رحمة من ربّه ، فأقام هذا السبب الماديّ حائلا دون وقوع الفاحشة ..