وصريح اللفظ أنه - عليه السلام - همّ بها ، كما همّت به .. « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها » هكذا صريح للفظ القرآني .. فلا وجه إذا للتفرقة بين أمرين متساويين ، لفظا ومعنى .. كذلك اختلف المفسّرون فِي قوله تعالى: « لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » - اختلفوا فِي البرهان .. أهو ملك جاءه من اللّه؟ أم شيء وجده فِي نفسه؟ أم صورة أبيه يعقوب ، وقد ظهر عاضّا على إصبعه ، محذرا من هذا الخطر الذي هو مقبل عليه .. إلى غير ذلك من عشرات الصور التي صوّر فيها المفسّرون هذا البرهان.!
وهم فِي هذا كلّه إنما يريدون أن يدفعوا عن مقام هذا النبي الكريم أن يطوف به طائف من السوء ، أو تنحلّ عزيمته أمام أية فتنة ، أو تستجيب طبيعته لأى إغراء .. فمقام النبوة هو القمة التي لا ترقى إليها الشبه ، ولا يرتفع إلى سمائها هذا الدخان المتصاعد من شهوات النفوس وأهوائها ، حين تشبّ فيها نيران الشهوة ، ويتّقد لهيب الفتنة؟ ولكن فات هؤلاء الذين ينظرون إلى النبي هذه النظرة - ونحن ننظر إليه كما ينظرون - فاتهم أن النبي بشر قبل أن يكون نبيّا .. وأنه حين يلبس ثوب النبوة لا يخلع ثوب البشرية أبدا ..
وغاية ما هنالك أنها بشرية فِي أعلى مستواها وأشرف منازلها ..
وعلى هذا ، فإن الذي نطمئن إليه ، هو أن هذا البرهان كان شيئا حسيا ، أو بمعنى آخر ، كان حدثا وقع فِي تلك اللحظة الحاسمة ، فحال دون وقوع هذا الأمر ، وكان صارفا عنه .. والذي لولاه لوقع! وهذا البرهان هو - واللّه أعلم - إشارة كانت تعلن عن قدوم العزيز إلى أهله .. إذ من المعقول جدا أن يكون للعزيز شارة من الشارات ، ينبّه بها زوجه إلى أنه قادم إليها .. وذلك كرسول يتقدمه ، أو نفير يعلن عنه .. أو نحو هذا ..
شأن أصحاب السلطان ، حين يغدون ، أو يروحون ، بين مجلس الحكم ، ومجلسه الخاص فِي أهله وولده. (1)
(1) كلام فِي غاية البعد.