« هَيْتَ لَكَ » أي هأنذا لك ، فأقبل! وهذا ما لا تفعله الحرّة ذات الجاه والسلطان ، إلا إذا كانت قد استبدّت بها الرغبة ، ثم لم تجد من الجانب الآخر استجابة منه لها .. عندئذ تخلع عذار حيائها ، وتتخلّى عن مكانتها كامرأة تطلب ولا تطلب! .. وفى كل هذا ما يحدّث عن تعفّف يوسف عليه السلام ، وامتلأ كه لداعى الشهوة أمام هذه المغريات ، التي تنحلّ لها عزمات الرجال ، وتطيش معها أحلام ذوى الحلوم! « قالَ مَعاذَ اللَّهِ .. إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ .. إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » ومع كل هذا الذي ساقته المرأة إلى يوسف - عليه السلام - من جمالها ، وسلطانها ، ومن تلطّفها به ، واستدعائها له ، وعرض نفسها عليه ، ومع هذا الشباب المتفجّر فيه ، والدماء الحارة المتدفقة فِي عروقه - فإنه اعتصم بدينه ، واستمسك بمروءته ، فلم يقبل هذه الدعوة الآثمة ، قائلا: « مَعاذَ اللَّهِ » أي عياذا باللّه ، ولجأ إليه لدفع هذا المكروه عنّى ..
ـ « إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ » - أي إن هذا الفعل فوق أنه عصيان للّه ، وتعدّ لحدوده ، هو خيانة للمروءة ، وإنكار لإحسان هذا السيد الذي رباه ،
وأحسن مثواه .. والمثوى: المأوى الذي يأوى إليه الإنسان ..
ـ « إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » .. الضمير فِي « إنه » ضمير الشأن .. أي إنه فِي أيّ حال وشأن لا يفلح الظالمون ، الذين يعتدون على حقوق الناس ، فيخونون الأمانة فيما اؤتمنوا عليه ، أو يجحدون نعمة من كان له نعمة وفضل عليهم ..!
« وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ .. كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » .
اختلف المفسرون فِي معنى الهمّ الذي همّ به يوسف .. أ هو همّ عزيمة ، أم همّ رغبة؟ وهل هو همّ فعل ، أم همّ ترك؟