ولبيان خطورة وقوة الاستعاذة نذكر ما ترويه كتب السيرة من"أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ابنة ملكٍ ؛ كانت شديدة الجاذبية ، وشعرت بعض من نساء النبي بالغيرةَ منها ، وقالت واحدة منهن لعلها عائشة رضي الله عنها: إن تزوجها ودخل بها قد يفضلها عنَّا . وقالت للعروس: إن النبي يحب كلمة ما ، ويحب مَنْ يقولها . فسألت الفتاة عن الكلمة ، فقالت لها عائشة: إن اقترب منك قولي"أعوذ بالله منكِ"."
فغادرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"قد عُذْتِ بمعاذ"وسرَّحها السراح الجميل"."
وهناك في قضية السيدة مريم عليها السلام ، نجدها قد قالت لحظة أن تمثَّل لها الملاك بشراً سوياً: {إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} [مريم: 18] .
فهي استعاذت بمَنْ يقدر على إنقاذها .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
{قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون} [يوسف: 23] ، وأعطانا هذا القول معنيين اثنين:
الأول: أنه لم يوافق على طلبها بعد أن أوضحتْ ما تريد .
والمعنى الثاني: أنه طلب المعونة من الله ، وهو سبحانه مَنْ أنجاه من كيد إخوته ؛ ونجَّاه من الجُبِّ ؛ وهيَّأ له أفضل مكان في مصر ، ليحيا فيه ومنحه العلم والحكمة مع بلوغه لأشُدَّه . وبعد كل هذا أيستقبل كل هذا الكرم بالمعصية؟ طبعاً لا .
أو: أنه قال: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23] .
ليُذكِّر امرأة العزيز بأن لها زوجاً ، وأن هذا الزوج قد أحسن ليوسف حين قال لها: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عسى أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [يوسف: 21] .
فالصعوبة لا تأتي فقط من أنها تدعوه لنفسها ؛ بل الصعوبة تزداد سوء لأن لها زوجاً فليست خالية ، وهذا الزوج قد طلب منها أن تُكرِم يوسف ، وتختار له مكانَ إقامةٍ يليق بابن ، ولا يمكن أن يُستَقبل ذلك بالجحود والخيانة .