وامرأة العزيز قامت بأكثر من إغلاق لأكثر من باب ، فَقُصور العظماء بها أكثر من باب ، وأنت لا تدخل على العظيم من هؤلاء في بيته لتجده في استقبالك بعد أول باب ، بل يجتاز الإنسان أكثر من باب لِيَلقى العظيم الذي جاء ليقابله .
يحمل لنا التاريخ قصة ذلك الرجل الذي رفض أن يبايع معاوية في المدينة ، فأمر معاوية باستدعائه إلى قصر الحكم في دمشق .
هذا القصر الذي سبق أن زاره عمر بن الخطاب ؛ ووجد فيه أبهة زائدة بررها له معاوية بحيلة الأريب أنها أُبهة ضرورية لإبراز مكانة العرب أمام الدولة الرومانية المجاورة ، فسكتَ عنها عمر .
وحين استدعى معاوية الرجل ، دخل بصحبة الحرس من باب ، وظن أنه سوف يلقى معاوية فَوْر الدخول ؛ لكن الحرس اصطحبه عبر أكثر من باب ؛ فلم ينخلع قلب الرجل ، بل دخل بثبات على معاوية وضَنَّ عليه بمناداته كأمير المؤمنين ، وقال بصوت عال:
"السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ففطن معاوية إلى أن الرجل يرفض مبايعته .
ونعود إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ؛ فنجد أن امرأة العزيز قد غلَّقتْ الأبواب ؛ لأن مَنْ يفعل الأمر القبيح يعلم قُبْح ما يفعل ، ويحاول أن يستر فِعْله ، وهي قد حاولتْ ذلك بعيداً عن مَنْ يعملون أو يعيشون في القصر ، وحدثتْ المراودة وأخذتْ وقتاً ، لكنه فيما يبدو لم يَستجِبْ لها .
{وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ...} [يوسف: 23] أي: أنها انتقلتْ من مرحلة المُراودة إلى مرحلة الوضوح في طلب الفعل ؛ بأن قالت: تهيأتُ لك ؛ وكان ردُّه:
{قَالَ مَعَاذَ الله ...} [يوسف: 23] .
والمَعَاذ هو مَنْ تستعيذ به ، وأنت لا تستعيذ إلا إذا خارتْ أسبابك أمام الحدث الذي تمرُّ به عَلَّك تجد مَنْ ينجدك ؛ فكأن المسألة قد عَزَّتْ عليه ؛ فلم يجد مَعَاذاً إلا الله .
ولا أحد قادر على أن يتصرف هكذا إلا مَنْ حرسه الله بما أعطاه له من الحكمة والعلم ؛ وجعله قادراً على التمييز بين الحلال والحرام .