وفيما وردت به الأخبار من هذا بيان أنها في العلو كما أن جهنم في السفل والله أعلم.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا، وكان الله تبارك وتعالى لم يهيئ الناس هيئة من سفل إلى علو من غير سبب يتعلق به، فيمسك قدميه، احتاجوا في الانتقال من الأرض إلى الجنة إلى سبب متصل من طرف الأرض إلى طرف الجنان، فكان ذلك هذا السبب هو الصراط الذي جاء به الخبر.
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن على جهنم جسراً أعلاه نحو الجنة وخص منزله بجنبيه كلاليب ومسك من النار، يجلس الله تعالى به من يشاء من عبادة الزالون والزالات يومئذ كثير، والملائكة بجنبيه قيام ينادون: اللهم سلم، ويعطون النور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي عليه كمر الريح، ومنهم من يحصر عليه كحصر الفرس السابق، ومنهم من يشد عليه شداً، ومنهم من يهرول ومنهم من لا يعطي نور إلا قدر قدميه، ومنهم من يحبو حبواً، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى تنجوا أول زمرة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر.
ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء حتى يخلصوا إلى الجنة برحمة الله».
وفي بعض الروايات في هذا الحديث «أن الصراط أدق من الشعر، وأحد من السيف» والمعنى - والله أعلم - أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر، أن يكون عسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله - تعالى جده - لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقاً، وضرب المثل به بدقة الشعر، فهذا والله أعلم من هذا الباب.
وأما أنه أحد من السيف، فيكون معناه - والله أعلم - أن الأمر الدقيق الذي يصله من عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حدة السيف ومضيه، إسراعاً منهم إلى الطاعة وامتثالاً، ولا يكون له مرد، كما أن السيف إذا نفذ بحدة وقوة ضاربة في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد.