قال أبو الفتح: ولو قرأ قارئ إنّ الحمد بكسر الهمزة على الحكاية للفظ بعينه لكان جائزًا، لكن لا يُقْدَمُ على ذلك إلَّا أن يَرِدَ به أثرٌ وإن كان في العربية سائغًا، وإذا فَتح فقال: أنَّ الحمد لله، فلم يَحْكِ اللفظ بعينه، وإنَّما جاء بمعنى الكلام، كقولنا: بلغني أن زيدًا منطلق، فليس هذا على حكاية ما سمع لفظًا، ألا تراه إذا قيل له: قد انطلق زيد، فقال: بلغني أن زيدًا منطلق، كان صادقًا وإن لم يؤدِّ نفس اللفظ الذي سمعه، لكنه أدى معناه، وإن كسر فقال: إنّ الحمد لله، فهو مؤد لنفس اللفظ وحاكٍ له البتة، انتهى كلامه.
{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) } :
قوله عز وجل: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} (الشر) مفعول قوله: {يُعَجِّلُ} ، {اسْتِعْجَالَهُمْ} نعت لمصدر محذوف، والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر حين استعجلوه استعجالًا مثل استعجالهم الخير، ثم حذف المصدر المنعوت ونعته وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقيل: التقدير: ولو يعجِّل للناس الشرَّ تعجيلًا مثل تعجيله لهم الخير،
فوضع {اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} وضع تعجيله لهم الخير إشعارًا بسرعة إجابته لهم، وإسعافه بطلبتهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل [لهم بالخير تعجيل] له.
والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته، والاستعجال: طلب العجلة.
وقيل: {اسْتِعْجَالَهُمْ} منصوب على تقدير حذف الجار، أي: كاستعجالهم، ثم حذف الجار فنصب، وليس بشيء، إذ لو جاز هذا لجاز زيد الأسد، بمعنى كالأسد، وزيد غلام عمرو، بمعنى كغلام عمرو، وهذا واضح لمن له قلب ويعرف العربية.
وقوله: {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي: لفرغ من هلاكهم.
وقرأ ابن عامر: (لقَضى إليهم أجلَهم) بفتح القاف والضاد ونصب قوله: (أجلهم) على البناء للفاعل وهو الله تعالى لقوله: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ} ، ويعضده أيضًا قراءة من قرأ: (لقضينا إليهم أجلهم) وهو عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.